جمعية العاديات السورية.. نموذج "العلمانية المؤمنة"
جمعية العاديات السورية.. نموذج "العلمانية المؤمنة"
ترتبط حلب الشهباء، وهي من أقدم المدن المتواصلة في العالم، بكثير من الرموز التي تعطيها خصوصيتها بدءا من القلعة القديمة التي تطل على كل المدينة ومروراً ببيوتها ومدارسها وخاناتها ومساجدها وكنائسها ذات الملامح العمرانية المتماوجة التي تعبر عن مختلف الحقب التاريخية.
ولكن تراث حلب التاريخي أصبح يرتبط في المئة سنة الأخيرة برمز جديد ألا وهو "جمعية العاديات" التي تحولت الى مفخرة حلب بما قامت عليه وبما قدمته طيلة عقود.
فقد كانت حلب بفضل انفتاحها المبكر على أوربا (في 1207م افتتحت أول قنصلية للبندقية في حلب) مركزاً من مراكز النهضة الفكرية في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، والذي ارتبط بكوكبة من الكتاب والمفكرين مثل فرانسيس مراش (1836-1873) ومريانا مراش (1849-1919) وميخائيل الصقال (1853-1937) وكامل الغزي (1853-1933) و عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902) وغيرهم. وقد أسهمت كتابات هؤلاء في تنوير الجيل اللاحق الذي قام بتأسيس "جمعية العاديات" في 1924م مثل محمد راغب الطباع (1876-1951) وجبرائيل رباط ( 19 – 1935) وعبد الرحمن الكيالي (1887-1969) وخير الدين الاسدي (1900-1971) وغيرهم.
وقد تأسست هذه الجمعية أولاً تحت اسم "جمعية اصدقاء القلعة" التي ترمز الى آثار حلب ثم اتخذت اسم "جمعية العاديات" حيث ان الاسم الجديد (العاديات) اشتق آنذاك لأول مرة للتعبير عن علم الآثار القديمة. وبهذا بدأت الجمعية نشاطها بالاهتمام بالآثار ولكنها وسعت بسرعة دائرة اهتمامها لتشمل التاريخ بحكم وجود عدة مؤرخين في عضويتها ومجلس ادارتها. فقد كان أول رئيس لها في 1924 الشيخ كامل الغزي، الذي يعتبر كتابه "نهر الذهب في تاريخ حلب" مرجعاً رئيساً في تاريخ المدينة. وقد استمر هذا الخط (الاهتمام بالتاريخ والآثار) مميزاً لها سواء في نشاطاتها الدورية أو في مجلتها (العاديات).
ومن الملاحظ هنا أن ادارة الجمعية قد عكست منذ بدايتها التنوع الديني والفكري الذي تميز به مجتمع حلب. فقد كانت حلب في ذلك الوقت (1924) تتميز بتعايش ديني ومذهبي اسلامي مسيحي يهودي، حيث ان ثلث السكان كانوا من المسيحيين واليهود بجميع طوائفهم. وهكذا يلاحظ أن المؤسسين للجمعية كانوا يجمعون بين رجال الدين المسلمين (كامل الغزي ومحمد راغب الطباخ  الخ) والمسيحيين (جبرائيل رباط  الخ) وبين العلمانيين (خير الدين الأسدي الخ) ولذلك فقد خلف الشيخ كامل الغزي في منصبه كأول رئيس للجمعية (1924-1933) جبرائيل رباط الذي كان ايضاً مديراً للنادي الكاثوليكي في حلب.
وقد تصادفت زيارتي الأخيرة لحلب في الأسبوع الماضي للمشاركة في ندوة علمية مع الذكرى الـ 85 لتأسيس الجمعية، حيث أتيحت لي الفرصة لأن أستمع الى محاضرة للأستاذ فؤاد هلال عن تأسيس الجمعية وفلسفتها.
وقد لفت نظري في حديثه عن فلسفة الجمعية وصفها بأنها "أول منظمة تتصف بالعلمانية ليس في حلب وانما في المنطقة" . ولكن المحاضر سرعان ما أضاف أن "علمانية الجمعية لم تكن ضد الدين بل كانت علمانية مؤمنة حيث كان على رأسها شيخ وكاهن" أي الغزي ورباط.
وما يهم في هذه الجمعية الآن انها بقيت الوحيدة التي حافظت على وجودها وفلسفتها "العلمانية المؤمنة" وروحها الديموقراطية حيث ان اول رئيس لها (الشيخ كامل الغزي) اصبح رئيساً لها بالانتخاب الحر في 1924، وكذلك الامر مع الرئيس الثاني (جبرائيل رباط) في 1933، وبقي ذلك الانتخاب يميز اختيار رؤسائها الى الرئيس الحالي الأستاذ محمد قجة الذي احتفت به وزارة الثقافة السورية في الشهر الماضي باقامة ندوة علمية تكريماً له.
وفي الواقع يمكن القول إن تكريم الاستاذ محمد قجة كان تكريماً لجمعية العاديات ايضاً، التي تحولت في عهده (1995-2008) من جمعية حلبية الى جمعية سورية بعد ان افتتحت 17 فرعاً لها في كل المدن السورية، ومن جمعية أهلية فقيرة الموارد تعتمد على مساعدة الدولة الى جمعية أهلية تحظى بدعم المجتمع الواسع وتحقق الوفر المادي لأول مرة، وهو ما يساعدها الآن على اقامة المزيد من الأنشطة. فجمعية العاديات تكاد تتحول الى جامعة مصغرة حيث تقيم محاضرة في كل اسبوع وعدة ندوات محلية ودولية في كل سنة، وتستقبل ضيوف حلب كما وتنظم زيارات لأعضائها الى المواقع الأثرية السورية والعربية والعالمية، كما اصبحت مجلتها الآن (العاديات) مجلة فصلية منتظمة.
محمد م. الارناؤوط
نقلاً عن جريدة الغد الأردنيى بتاريخ 28/11/2008
الكاتب : محمد م. الارناؤوط